يرى محلل الشؤون البحرية والطاقة والجغرافيا السياسية سيريل ويدرشوفن أن مشروع خط أنابيب النفط المقترح بين ليبيا ومصر دخل سريعًا مرحلة جديدة، مع تكثيف القاهرة وطرابلس مباحثاتهما بشأن إنشاء خط يمتد لنحو 800 كيلومتر ويربط طبرق في شرق ليبيا بميناء الإسكندرية، بما يسمح بتدفق الخام الليبي مباشرة إلى منظومة التكرير المصرية على البحر المتوسط. وقد تتجاوز تكلفة المشروع مليار دولار، ما يمنحه أهمية استراتيجية كبيرة، رغم عدم حسم طاقته النهائية أو هيكل تمويله أو قرار الاستثمار فيه حتى الآن.
وبحسب أويل برايس، يناقش الجانبان آليات تمويل المشروع وترتيبات تنفيذه والطاقة النهائية التي يمكن أن ينقلها، في وقت لا تزال فيه عقبات كبيرة تعترض الطريق. ولم يعلن أي بنك دولي أو صندوق ثروة سيادي أو شركة نفط دولية التزامه بتمويل المشروع، لذلك ينبغي النظر إلى تقديرات التكلفة الحالية باعتبارها مؤشرات أولية وليست تقديرًا نهائيًا قابلًا للتمويل والتنفيذ. ويظل ضمان الاستقرار الجيوسياسي عاملًا حاسمًا لنجاح المشروع والحد من مخاطره.
خط أنابيب قديم يعود إلى الواجهة بحسابات جيوسياسية جديدة
لا يُعد المشروع فكرة جديدة بالكامل، إذ بحثت مصر وليبيا الممر نفسه تقريبًا قبل أكثر من عقدين.
ففي عام 2002، شرع البلدان في تطوير خطي أنابيب متوازيين للنفط والغاز بين طبرق والإسكندرية، عبر شركة عربية لخطوط النفط والغاز، وهي مشروع مشترك مناصفة بين المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا والهيئة المصرية العامة للبترول وشركة غاز مصر. وكان طول الخط آنذاك يُقدّر بنحو 620 كيلومترًا، فيما صُمم في البداية لنقل 150 ألف برميل يوميًا، ووصلت الأعمال حينها إلى تنفيذ عمليات لإزالة الألغام على طول المسار، وفقًا لما أوردته تقارير.
أما المقترح الحالي، فيعيد إحياء الفكرة القديمة مع توسيعها وتحويلها إلى مشروع ذي أبعاد جيوسياسية أكبر. ووفق التقييمات المتداولة في أغسطس 2026، يمتد المسار المقترح من منطقة طبرق والسرير إلى الحدود المصرية، مرورًا بممر مطروح، وصولًا إلى الإسكندرية، بطول يقارب 800 كيلومتر.
وتدور التقديرات الأولية حول تكلفة تتجاوز مليار دولار، فيما قد يتراوح الإنفاق الرأسمالي الواقعي بين 1.3 و2.2 مليار دولار، وقد يرتفع إلى 2.5 مليار دولار إذا شمل المشروع منشآت التخزين ومحطات الضخ والتعديلات اللازمة في المصافي.
ولا تزال الطاقة النهائية للخط قيد النقاش، إلا أن التصميم التاريخي حددها عند 150 ألف برميل يوميًا، بينما تبدو طاقة تتراوح بين 150 و250 ألف برميل يوميًا خيارًا منطقيًا للمرحلة الأولى. وقد ترتفع الطاقة مستقبلًا إلى ما بين 300 و400 ألف برميل يوميًا، شريطة زيادة الإنتاج الليبي بما يكفي لتوفير كميات إضافية من الخام.
وتدعم التطورات الجيوسياسية وأسواق النفط خلال عام 2026 المنطق الاقتصادي للمشروع. فقد ازدادت حساسية مصر تجاه اضطرابات النقل البحري في الشرق الأوسط، وفي أعقاب اضطراب الإمدادات الكويتية بسبب مضيق هرمز، اتجهت القاهرة إلى شراء ما لا يقل عن مليون برميل شهريًا من الخام الليبي. وفي الوقت نفسه، واصلت ليبيا ومصر دفع اتفاق التعاون في مجال الطاقة الموقع في يناير، مع بحث نقل النفط الخام والغاز الطبيعي بين البلدين.
وتسعى القاهرة بالتوازي إلى تعزيز احتياطياتها الاستراتيجية من النفط، في ظل كشف الاضطرابات في مضيق هرمز عن هشاشة الاعتماد على الإمدادات المنقولة بحرًا.
وهنا تبرز أهمية المشروع باعتباره أكثر من مجرد خط أنابيب جديد؛ إذ يمكنه توفير مصدر للخام عبر البحر المتوسط لا يمر بمضيق هرمز أو باب المندب أو قناة السويس. وبالتالي، لن يتعرض النفط الذي يدخل الأراضي المصرية عبر طبرق لمخاطر نقاط الاختناق البحرية، ما يوفر قدرًا أكبر من المرونة وأمن الإمدادات على المدى الطويل.
مصر تراهن على التكرير وليبيا تبحث عن منفذ تصدير إضافي
تبدو حجة المشروع المرتبطة بقطاع التكرير المصري قوية بالقدر نفسه. فالإسكندرية تضم بالفعل تجمعًا رئيسيًا لمصافي النفط في مصر، وتعمل مصفاة الشرق الأوسط لتكرير البترول «ميدور» بطاقة تقارب 160 إلى 170 ألف برميل يوميًا بعد توسعة بلغت تكلفتها 2.7 مليار دولار. كما عالجت المصفاة أكثر من 49 مليون برميل خلال عام 2025، فيما تضيف مصفاتا الإسكندرية وأموك قدرات تكريرية أخرى.
وتتجاوز الطاقة الاسمية لمصافي مصر تاريخيًا 760 ألف برميل يوميًا، رغم أن معدلات التشغيل الفعلية تقل عن ذلك بدرجة كبيرة وتتفاوت بين مصفاة وأخرى.
وإذا نقل الخط 150 ألف برميل يوميًا من الخام الليبي، فسيوفر نحو 55 مليون برميل سنويًا. أما عند بلوغ الطاقة 250 ألف برميل يوميًا، فستصل الكمية إلى نحو 91 مليون برميل سنويًا، بينما يوفر تشغيل الخط بطاقة 300 ألف برميل يوميًا قرابة 110 ملايين برميل سنويًا. وبذلك يظل حجم الخط محدودًا نسبيًا مقارنة بالقيمة الكبيرة لتدفقات النفط التي يمكن أن يدعمها.
وبالنسبة إلى مصر، سيوفر المشروع عدة خيارات استراتيجية. فقد يحل الخام الليبي محل كميات مستوردة أكثر تكلفة أو عرضة للمخاطر، كما يمكن توجيهه إلى «ميدور» ومصافي الإسكندرية الأخرى. ويمكن استهلاك المنتجات المكررة محليًا، خصوصًا البنزين والديزل ووقود الطائرات، أو تصدير الفائض ذي القيمة الأعلى من الإسكندرية والدخيلة إلى أسواق البحر المتوسط.
وترتبط «ميدور» بخطوط أنابيب تصلها بالدخيلة لتصدير المنتجات، ما يمنح القاهرة فرصة لتحويل قربها الجغرافي من الخام الليبي إلى مكاسب من هوامش التكرير، وفرص عمل، وتوفير للعملة الأجنبية، وعائدات تصديرية خلال فترات وجود فائض.
أما بالنسبة إلى ليبيا، فتختلف المعادلة لكنها لا تقل أهمية. وتستهدف المؤسسة الوطنية للنفط رفع الإنتاج الوطني بصورة كبيرة، من مستواه الحالي الذي يتراوح بين 1.4 و1.5 مليون برميل يوميًا تقريبًا. ويرتبط هذا الهدف باتفاق أُعلن في يناير 2026 بين «توتال إنرجيز» و«كونوكو فيليبس»، يستهدف استثمارات تتجاوز 20 مليار دولار، مع إمكانية تحقيق زيادات كبيرة في إنتاج حقل الواحة.
وإذا سارت هذه الخطط وفق المسار المستهدف، فستحتاج ليبيا إلى تعزيز قدراتها في نقل النفط وتخزينه وتسويقه. وهنا تبرز مصر كخيار مهم.
وتتمتع منطقة شرق ليبيا بملاءمة خاصة للربط مع مصر، إذ ينتقل خام السرير بالفعل لمسافات طويلة نحو منظومة التصدير في طبرق والحريقة.
ويشير التقرير السنوي للمؤسسة الوطنية للنفط لعام 2025 إلى استمرار الاستثمارات في استبدال أجزاء من خط السرير–طبرق البالغ قطره 34 بوصة، مع برنامج لاستبدال نحو 100 كيلومتر من الخط.
ويمكن أن يؤدي ربط هذه المنظومة باتجاه مصر إلى إنشاء ممر بديل لصادرات النفط الليبية بدلًا من الاعتماد الكامل على شحنات الناقلات من ميناء الحريقة.
وبناءً على ذلك، تبدو طاقة تتراوح بين 150 و250 ألف برميل يوميًا نقطة انطلاق تجارية منطقية. أما بناء الخط منذ البداية بطاقة تتراوح بين 400 و500 ألف برميل يوميًا، فقد ينطوي حاليًا على خطر إنشاء طاقة نقل غير مستغلة. ولن تصبح هذه المستويات الأعلى واقعية إلا إذا نجحت ليبيا في رفع إنتاجها الوطني باتجاه مليوني برميل يوميًا.
ومن الناحية الفنية، يمكن تصميم النظام بحيث يسمح بالتوسع مستقبلًا، إذ تستطيع مضخات أكبر ومحطات ضخ إضافية رفع معدلات التدفق دون الحاجة إلى تكرار مسار الأنابيب بالكامل.
التمويل والأمن يحددان مستقبل المشروع
تبدو التكلفة المعلنة البالغة مليار دولار طموحة عند النظر إلى حجم المشروع. فخط أنابيب عابر للحدود بطول 800 كيلومتر سيحتاج إلى شبكة متكاملة تشمل الخط نفسه، ومحطات الضخ، وأنظمة القياس والتحكم، ومنظومة «سكادا»، ومصادر الطاقة، ومنشآت الحدود، ومرافق التخزين، وأنظمة الحماية والأمن، ومنشآت استقبال الخام في الإسكندرية، إلى جانب خطوط الربط بالمصافي المصرية.
ورغم أن تنفيذ خط في المناطق الصحراوية أسهل فنيًا من إنشاء خطوط تمر عبر مناطق جبلية أو تحت سطح البحر، فإن تكاليف الأمن والخدمات اللوجستية قد ترفع قيمة المشروع بصورة ملحوظة. لذلك تبدو ميزانية تخطيطية تتراوح بين 1.3 و2.2 مليار دولار أكثر واقعية، بينما قد تتجاوز 2.5 مليار دولار إذا شملت الخطط منشآت التخزين والتعديلات اللازمة في قطاع التكرير. ولا تستند هذه الأرقام إلى ميزانية معلنة للمشروع حتى الآن.
وسيكون التمويل الاختبار الحاسم للمشروع. وتُعد المؤسسة الوطنية للنفط وشركة «أجوكو» من الجانب الليبي، والهيئة المصرية العامة للبترول من الجانب المصري، أطرافًا طبيعية للمشاركة الأساسية، بما قد يعيد نموذج المشروع المشترك الذي طُرح في النسخة الأصلية من المشروع.
كما قد تدخل صناديق الثروة السيادية الخليجية أو مستثمرو البنية التحتية في مرحلة لاحقة، خصوصًا مع امتلاك مصر تاريخًا طويلًا من الاستثمارات العربية المشتركة في مشروعات الطاقة. ويقدم مشروع «سوميد» نموذجًا واضحًا لذلك، إذ تديره مصر بمشاركة مساهمين خليجيين، ونقل النظام نحو 50 مليون طن من الخام خلال عام 2025.
ويمكن كذلك الاستعانة بصناديق البنية التحتية الدولية، ووكالات ائتمان الصادرات، والتمويل المدعوم من شركات الهندسة والمشتريات والإنشاءات. لكن المقرضين سيطالبون بضمانات سيادية قوية وحماية كافية من مخاطر الاضطرابات السياسية في ليبيا.
وتبقى المسألة السياسية والجيوسياسية العقبة الأكبر. إذ تقع طبرق وأجزاء واسعة من شرق ليبيا ضمن المجال السياسي والأمني المرتبط بخليفة حفتر والسلطات الشرقية. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن مباحثات خط الأنابيب ركزت على التواصل بين القاهرة وحكومة الوحدة الوطنية التي يرأسها عبد الحميد الدبيبة في طرابلس.
ومع استمرار الانقسام الليبي بين مراكز قوى متنافسة، قد يتحول أي خط أنابيب إلى أداة في صراع النفوذ. لذلك سيكون من الصعب ضمان أمنه إذا أصبح سياسيًا محسوبًا على طرف واحد، بينما تظل إيرادات المؤسسة الوطنية للنفط مسألة شديدة الحساسية على المستوى الوطني.
وأظهرت هجمات الطائرات المسيّرة في محيط الزاوية خلال أغسطس، والتي ألحقت أضرارًا بمنشآت لتخزين النفط، أن المخاطر الأمنية حقيقية. كما شهد مجمع مليتة للطاقة احتجاجات وصلت إلى منشآته، ما يسلط الضوء على هشاشة البنية التحتية النفطية في البلاد.
ومن المرجح أن يحظى أي خط دولي جديد ينقل نفطًا بقيمة مليارات الدولارات سنويًا باهتمام أمني وسياسي كبير، ما يجعله في الوقت نفسه أصلًا استراتيجيًا وهدفًا محتملًا للضغط والإكراه.
ومع ذلك، تزداد جاذبية مشروع خط الأنابيب الليبي المصري مقارنة بما كانت عليه قبل عشرين عامًا. فسيحقق الطرفان فوائد اقتصادية مباشرة، بينما تسعى حكومتا البلدين إلى تعزيز التكامل الاقتصادي، كما أن المسافة الجغرافية بين شرق ليبيا والساحل المصري قابلة للتعامل معها من الناحية الفنية.
ويرى التحليل أن أكبر خطأ قد يقع فيه المراقبون هو تقييم المشروع فقط من زاوية قدرة خط أنابيب بقيمة مليار دولار على تحقيق عوائد من رسوم النقل. فالقيمة الاستراتيجية للمشروع أكبر بكثير؛ إذ يمكن لطاقة تتراوح بين 200 و250 ألف برميل يوميًا أن تدعم تدفقات نفطية سنوية تتراوح قيمتها بين 5 و7 مليارات دولار، فضلًا عن تقليص اعتماد مصر على إمدادات النفط المنقولة بحرًا، والاستفادة من زيادة الإنتاج الليبي، وتعزيز مكانة الإسكندرية كمركز إقليمي للخام والمنتجات النفطية في البحر المتوسط.
ويظل المشروع، وفق هذا التقييم، قابلًا للتنفيذ فنيًا وواعدًا استراتيجيًا لكنه عالي المخاطر سياسيًا. وقد يسمح اتخاذ قرار الاستثمار النهائي في 2027 وبدء الإنشاء خلال 2028 و2029 نظريًا بوصول أول شحنة نفط عبر الخط في 2029، لكن السيناريو الأكثر واقعية يرجح دخول المشروع مرحلة التشغيل نحو عام 2030.
كما ينبغي وضع احتمال ارتفاع التكلفة إلى نطاق يتراوح بين 1.5 و2 مليار دولار أو أكثر في الاعتبار منذ البداية. ولا تبدو هناك مشكلات فنية جوهرية تحول دون تنفيذ المشروع، لكن السؤال الحقيقي يتمثل في قدرة ليبيا على ضمان بقاء النفط الذي سيدخل الخط متاحًا سياسيًا وقانونيًا وماديًا على مدى العشرين عامًا المقبلة.
https://oilprice.com/Energy/Crude-Oil/Why-Libyas-Next-Oil-Pipeline-Could-Be-a-Geopolitical-Game-Changer.html

